عبد القادر الجيلاني
70
فتوح الغيب
--> - كقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] . وقوله تعالى : وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [ المائدة : 6 ] . وقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 26 ) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً [ النساء : 26 - 27 ] . فإن الإرادة هنا بمعنى المحبة والرضا وهي الإرادة الدينية ، وإليه الإشارة بقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . وأما الإرادة الكونية القدرية : فمثل قوله تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [ الأنعام : 125 ] . ومثل قول المسلمين : ما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن . فجميع الكائنات داخلة في هذه الإرادة والإشاءة ، لا يخرج عنها خير ولا شرّ ، ولا عرف ولا نكر ، وهذه الإرادة والإشاءة تتناول ما لا يتناوله الأمر الشرعيّ . وأما الإرادة الدينية فهي مطابقة للأمر الشرعيّ لا يختلفان ، وهذا التقسيم الوارد في اسم الإرادة يرد مثله في اسم الأمر والكلمات ، والحكم والقضاء ، والكتاب والبعث ، والإرسال ونحوه ، فإن هذا كلّه ينقسم إلى كوني قدري ، وإلى ديني شرعي . والكلمات الكونية : هي التي لا يخرج عنها برّ ولا فاجر ، وهي التي استعان بها النبي صلّى اللّه عليه وسلم في قوله : « أعوذ بكلمات اللّه التامّات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر » . قال اللّه تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] . وأما الدينية : فهي الكتب المنزلة التي قال فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا ، فهو في سبيل اللّه » . وقال تعالى : وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ [ التحريم : 12 ] . وكذلك الأمر الديني كقوله تعالى : * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] . والكونية : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً . والبعث الديني : كقوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [ الجمعة : 2 ] . والبعث الكوني : بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا [ الإسراء : 5 ] . والإرسال الديني : كقوله : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ * [ التوبة : 33 والفتح : 28 والصف : 9 ] . والكوني : أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [ مريم : 83 ] . وهذا مبسوط في غير هذا الموضع . فما يقع في الوجود من المنكرات هي مرادة للّه إرادة كونيّة ، داخلة في كلماته التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، وهو سبحانه مع ذلك لم يردها إرادة دينية ، ولا هي موافقة لكلماته الدينية ، ولا يرضى لعباده الكفر ، ولا يأمر بالفحشاء ، فصارت له من وجه مكروهة . ولكن هذه ليست بمنزلة قبض المؤمن فإن ذلك يكرهه ، والكراهة مساءة المؤمن ، وهو يريده لما سبق في قضائه له بالموت فلا بد منه ، وإرادته لعبده المؤمن خير له ورحمة به ، فإنه قد ثبت في الصحيح [ مسلم ( 2999 ) ] : « أن اللّه تعالى لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضرّاء -